محمد بن علي الشوكاني
529
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وكان هذا النبي العربي الأمي لا يعلم إلا بما يعلمون ، ولا يدري إلا بما يدرون . بل قد يعلم الواحد منهم المتمكن من قراءة المكتوب ، وكتابة المقروء بغير ما يعلمه هذا النبي . فبينما هو على هذه الصفة بين هؤلاء القوم البالغين في الجهالة إلى هذا الحد جاءنا هذا الكتاب العظيم ، الحاكي لما ذكرناه من تفاصيل أحوال الأنبياء وقصصهم ، وما جرى لهم مع قومهم على أكمل حال ، وأتم وجه . ووجدناه موافقا لما في تلك الكتب ، غير مخالف لشيء منها . كان هذا من أعظم الأدلة الدالة على ثبوت نبوته على الخصوص ، وثبوت نبوة من قبله من الأنبياء على العموم . ومثل دلالة هذا الدليل لا يتيسر لجاحد ، ولا لمكابر ، ولا لزنديق مارق أن يقدح فيها بقادح ، أو يعارضها بشبهة من الشبه كائنة ما كانت إن كان ممن يعقل ويفهم [ 25 ] ، ويدري بما يوجبه العقل من قبول الأدلة الصحيحة التي لا تقابل بالرد ، ولا تدفع بالمعارضة ، ولا تقبل التشكيك ، ولا تحتمل الشبهة . ومع هذا فقد كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الأمي المبعوث بين هؤلاء يصرح بين ظهرانيهم ببطلان ما هم عليه ، ويزيف ما هم فيه أبلغ تزييف ، ويقدح فيه أعظم قدح ، ويبين لهم أنهم أعداء الله ، وأنهم مستحقون لغضبه وسخطه وعقوبته ، وأنهم ليسوا على شيء . فبهذا السبب صاروا جميعا أعداء له ، يطعنون عليه بالمطاعن التي يعلمون أنه منزه عنها ، مبرأ منها كقولهم : إنه كذاب ، وإنه مجنون ، وإنه ساحر . فلو علموا أنه تعلم من أحد من أهل الكتاب . أو أخذ عن فرد من أفرادها ، لجاءوا بهذا المطعن بادئ بدء ، وجعلوه عنوانا لتلك المطاعن الكاذبة ، بل لو وجدوا إلى ذلك سبيلا لعولوا عليه ، ولم يحتاجوا إلى غيره . فلما لم يأتوا بذلك ، ولا تكلموا به ، ولا وجدوا إليه سبيلا ، علم كل عاقل أنه لم يتعلم من أحد من اليهود ، ولا من النصارى ، ولا من غير هاتين الطائفتين . إذا لم يطعن عليه بذلك هؤلاء الذين هم قومه وقد ولد بينهم ، وعاش في ديارهم ، يخالطهم ، ويخالطونه ، ويواصلهم ويواصلونه ، ويعرفون جميع أحواله ، ولا سيما من كان